محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
778
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وأضافه إليها ، ومثل هذا ركيك في النظم المعجز والبيان الموجز ، وليس يجب من ذكر الحجّ في عرض آخر هو جواب السؤال عن الأهلّة أن يذكر جميع أعمال الحجّ وما يجب منها وما لا يجب وما يحظر فيها وما يباح . وقيل فيه أيضا : إنّه لمّا ذكر الأهلّة وأنّها مواقيت للناس في معاملاتهم ذكر عقيبها بعض محظورات الحجّ ليعلم أنّ الأمر فيها على الاتّباع ، لا على الابتداع ؛ وهذا أيضا غير معجب ؛ إذ ليس بين ذكر المواقيت في المعاملات وبين ذكر الاتّباع في إتيان البيوت من أبوابها وترك الإتيان من ظهورها مناسبة بوجه من الوجوه ، والنظم يستدعي مناسبة في المعنى ، ولو كان مثل هذا بالفارسية أو بلغة أخرى بين متخاطبين سائل ومسؤول لا ستهجن ذلك كلّ الاستهجان ، وما استحسن كلّ ذلك الاستحسان ؛ ولو قيل : إنّ الكلام مقتطع وفيه إضمار أي ويسألونك عن البرّ فقل ليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها فيكون كلاما آخر مرتّبا على سؤال آخر كان ذلك تكلّفا شاردا عن الأذهان ، والإضمار في الكلام لا يجوز إلّا عن ضرورة ، ويجب أن تكون في الكلام قرينة تدلّ عليه . والأولى أن نعرض عن أمثال هذه التكلّفات ونطلب في نفس قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ معنى هو إتيان البيت من ظهره ، أو في المبنى الذي حملهم على إتيان البيوت من ظهورها ما يناسب السؤال عن الأهلة ، ليتّسق نظم الكلام ويتّصل أوّله بآخره وفاتحته بقرينته ؛ وأقول : سؤال رؤية الأشياء كما هي أعنى معرفتها بحقائقها وأسباب وجودها ليس يسلم إلّا لشخص واحد مثل النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - ؛ إذ قال : « أرني الأشياء كما هي 70 » حتّى أجابه لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى وإنّما بابه إليها باب واحد وهو الوحي والأمر والكلمة . وغير النبيّ إن طلب ماهيّات الأشياء فإنّما أتى البيوت من ظهورها ( 320 آ ) ورآها برّا وعملا صالحا وهم الفلاسفة والصابئة ، وجميع من طلب العلم على طريقهم فقد أتى البيوت من ظهورها ، وكذلك الإسلاميون الذين طلبوا العلوم لا من الكتاب والسنّة ، بل جمعوا من كلّ علم معاء ، وأكلوا من الأمعاء السبعة التي هي مآكل الضلال والبدعة ؛ فزادوا في الإحرام دخول البيت لا من بابه ، بل من ظهره لمعنى سمعوه لا من صادق ولا هدى ولا كتاب منير .